العلامة المجلسي
177
بحار الأنوار
مقدار عام أو بعض عام كيف كان يكون حالهم ؟ بل كيف كان يكون لهم مع ذلك بقاء ؟ أفلا يرى الناس كيف هذه الأمور الجليلة التي لم تكن عندهم فيها حيلة فصار تجري على مجاريها ، لا تعتل ولا تتخلف عن مواقيتها لصلاح العالم وما فيه بقاؤه ؟ استدل بالقمر ففيه دلالة جليلة ( 1 ) تستعملها العامة في معرفة الشهور ، ولا يقوم عليه حساب السنة ، لان دوره لا يستوفي الأزمنة الأربعة ، ونشوء الثمار ووتصرمها ، ولذلك صارت شهور القمر وسنوه تتخلف عن شهور الشمس وسنيها ، وصار الشهر من شهور القمر ينتقل فيكون مرة بالشتاء ومرة بالصيف . فكر في إنارته في ظلمة الليل والإرب في ذلك ، فإنه مع الحاجة إلى الظلمة لهدء الحيوان وبرد الهواء على النبات لم يكن صلاح في أن يكون الليل ظلمة داجية لا ضياء فيها ، فلا يمكن فيه شئ من العمل ، لأنه ربما احتاج الناس إلى العمل بالليل لضيق الوقت عليهم في تقصي الاعمال بالنهار ، أو لشدة الحر وإفراطه ، فيعمل ( 2 ) في ضوء القمر أعمالا شتى ، كحرث الأرض ، وضرب اللبن . وقطع الخشب وما أشبه ذلك فجعل ضوء القمر معونة للناس على معايشهم إذا احتاجوا إلى ذلك ، وانسا للسائرين وجعل طلوعه في بعض الليل دون بعض ، ونقص مع ذلك من نور الشمس وضيائها لكيلا تنبسط الناس في العمل انبساطهم بالنهار ، ويمتنعوا من الهدء والقرار ، فيهلكهم ذلك ، وفي تصرف القمر خاصة في مهله ( 3 ) ومحاقه ، وزيادته ، ونقصانه ، وكسوفه من التنبيه على قدرة الله خالقه المصرف له هذا التصريف لصلاح العالم ما يعتبر فيه المعتبرون . بيان : الدولة بالفتح والضم : انقلاب الزمان ، ودالت الأيام : دارت والله يداولها بين الناس . وهدء كمنع هدءا وهدوءا : سكن ، ويقال : نكيت في العدو نكاية إذا قتلت فيهم وجرحت ، وجثم الانسان والطائر والنعام يجثم جثما
--> ( 1 ) جلية ( ظ ) . ( 2 ) فيعملون ( خ ) . ( 3 ) في تهلله ( خ ) .